ورام بن أبي فراس المالكي الاشتري
253
تنبيه الخواطر ونزهة النواظر ( مجموعة ورام )
أما تتفكرين أن الجاه لا معنى له إلا ميل القلوب من بعض الناس إليك فاحسبي أن كل من على وجه الأرض سجدوا لك وأطاعوك فما تعرفين أن بعد خمسين سنة لا يبقى لا أنت ولا أحد ممن على وجه الأرض ممن عبدك وسجد لك وسيأتي زمان لا يبقى ذكرك ولا ذكر من ذكرك كما أتى على الملوك الذين كانوا من قبلك فهل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا ( 1 ) فكيف تبيعين يا نفس ما يبقى أبد الآباد بما لا يبقى أكثر من خمسين سنة إن بقي والأظهر أن لا يبقى هذا المقدار هذا إن كنت ملكا من ملوك الأرض سلم إليك الشرق والغرب وكيف وأنت ربما لا يسلم إليك أمر محلتك بل أمر دارك فضلا عن محلتك فإن كنت يا نفس لا تتركين الدنيا رغبة في الآخرة لجهلك وعمى بصيرتك فما لك لا تتركينها ترفعا عن خسة شركائها وتنزها عن كثرة عنائها وتوقيا عن سرعة فنائها أم ( 2 ) مالك لا تزهدين في قليلها بعد أن زهد فيك كثيرها وما لك تفرحين بدنيا إن ساعدتك فلا يخلو بلدك عن جماعة من اليهود والمجوس يسبقونك بها ويزيدون عليك في نعيمها وزينتها فأف لدنيا يستبقك بها هؤلاء الأخساء فما أجهلك وأخس همتك وأسقط رأيك إذ رغبت عن أن تكوني في زمرة المقربين من الصديقين والنبيين في جوار رب العالمين أبد الآبدين لتكوني في صف النعال من جملة الحمقى الهالكين الجاهلين أياما قلائل فيا حسرة عليك إذ خسرت الدنيا والدين . فبادري ويحك يا نفس فقد أشرفت على الهلاك واقترب الموت وورد النذير فمن ذا يصلي عنك بعد الموت ومن ذا يصوم عنك بعد الموت ومن ذا يرضى عنك رب العالمين بعد الموت . ويحك يا نفس ما لك إلا أيام معدودة وهي بضاعتك إن اتجرت فيها وقد ضيعت أكثرها فلو بكيت بقية عمرك على ما ضيعت منها لكنت مقصرة في حق نفسك فكيف إذا ضيعت البقية وأصررت على طغيانك أما تعلمين يا نفس أن الموت موعدك والقبر بيتك والتراب فراشك والدود أنيسك والفزع الأكبر بين يديك أما علمت يا نفس أن عسكر الموتى على باب البلد ينتظرون قدومك وقد آلوا كلهم على أنفسهم بالأيمان
--> ( 1 ) الركز : الصوت الخفي . ( 2 ) أم هنا بمعنى بل .